
سوريا، _ السويداء
في واحدة من أكثر لحظات الجنوب السوري اضطرابًا منذ بدء المرحلة الانتقالية، تحوّلت محافظة السويداء خلال أسبوع تموز الثاني إلى ساحة صراع معقّد، امتزجت فيه النزاعات المحلية بتدخلات خارجية، وانكشفت فيه خيوط تهريب وتصفية حسابات إقليمية.
البداية: شاحنة مسروقة تشعل النار في الجبل
في 11 تموز 2025، أوقف مسلحون من البدو شاحنة خضار على طريق دمشق–السويداء، اعتدوا على سائقها وسرقوا الشاحنة. ردًّا على ذلك، اختطف مسلحون دروز ثمانية من البدو. لم يمر يوم حتى رد البدو بخطف خمسة دروز، لتدخل المنطقة بعدها في دوامة عنف متسارعة.
في 13 تموز، وبعد فشل المفاوضات، اندلعت اشتباكات عنيفة غرب السويداء وفي أحيائها، شملت قصف قرى درزية ومحاصرة مناطق بدوية. وخلال 24 ساعة فقط، قُتل نحو 30 شخصًا، وأُصيب أكثر من 100 آخرين.
دخول الجيش: كسر للخطوط الحمراء
لأول مرة منذ بدء المرحلة الانتقالية، تدخلت قوات الجيش والداخلية السورية في 14 تموز لفرض النظام، رغم الاتفاقات السابقة التي منعت دخولها إلى السويداء. وفي اليوم التالي، أعلن قادة دروز ومسيحيون ومجلس مدني محلي عن وقف لإطلاق النار، داعين إلى تسليم الأمن للحكومة.
لكن ما لبث أن رفض الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الديني الأبرز في المحافظة، الاتفاق، ودعا لمواصلة القتال، في موقف فُسّر لاحقًا على أنه محاولة لتعزيز موقعه العسكري والسياسي.
تصعيد شامل: إسرائيل تدخل الخط
في التوقيت نفسه، استأنفت إسرائيل ضرباتها الجوية، بينما وقعت تسع كمائن متزامنة ضد القوات الحكومية داخل السويداء، قُتل خلالها 118 شخصًا حتى مساء 15 تموز، بينهم:
41 من القوات الحكومية
7 من الميليشيات الدرزية الموالية
49 من المسلحين الدروز
19 من المسلحين البدو
2 من المدنيين
كما انتشرت تقارير عن إعدامات ميدانية وانتهاكات بحق المدنيين، بينما سعت الولايات المتحدة إلى وساطة لوقف الضربات الإسرائيلية، دون جدوى.
من هو “مجلس السويداء العسكري”؟
يؤكد الباحث الأميركي تشارلز ليستر أن القوة العسكرية الدافعة للمواجهات هي “مجلس السويداء العسكري” الذي تأسس بعيد سقوط النظام، ويقوده الهجري مع ثلاثة ضباط منشقين عن الجيش السوري. المجلس، بحسب مصادر استخباراتية، هو الشريك المحلي لإسرائيل في الجنوب، ويُعتقد أنه لا يزال يسيطر على شبكات تجارة المخدرات في المنطقة، من الكبتاغون إلى الكريستال ميث.
وفي اليوم نفسه، خاض الجيش الأردني اشتباكين على الحدود مع مهربين قادمين من السويداء، ما ربط الصراع الداخلي بخطوط التهريب الإقليمي.
هدنة ورفض متكرر من الهجري
في 16 تموز، أعلنت قيادات درزية أخرى، ومعها دمشق، هدنة ثانية، لكن الشيخ الهجري رفضها مجددًا، ما أثار استياءًا واسعًا بين الزعامات المحلية. الشيخ يوسف الجربوع اتهم الهجري بمحاولة “احتكار القرار”، بينما وصفه ليث البلعوس بأنه “عنصر تخريبي يعرّض السويداء للخطر”.
وفي غضون ساعات، استأنفت إسرائيل ضرباتها على مواقع حكومية في المدينة ومحيطها، بما في ذلك وزارة الدفاع في دمشق ومواقع قرب القصر الرئاسي.
اتفاق ثالث بنكهة دولية
بوساطة أميركية، تم التوصل في اليوم التالي إلى اتفاق ثالث لوقف إطلاق النار، وافقت عليه جميع الأطراف باستثناء الهجري، رغم أن الشروط كانت مشابهة للاتفاقين السابقين: انسحاب الجيش وتولي وزارة الداخلية والقوى المحلية إدارة الأمن.
الاتفاق يعكس بداية إعادة دمج السويداء في بنية الدولة الانتقالية، وتقليصًا واضحًا لنفوذ مجلس الهجري العسكري.
خسائر بشرية وتحذير من التضليل
يرى ليستر أن الكارثة كان يمكن تفاديها، لو التزمت الأطراف باتفاق أولي تم التوصل إليه قبل 48 ساعة من اندلاع القتال. ويحذّر من موجة أكاذيب إلكترونية، انتشرت خلالها خلال 3 ساعات فقط مزاعم عن مذابح، واقتلاع قلوب، وحرق أطفال — “كلها مختلقة”، وفق تعبيره.
ووفق أقدم مرصدَين في سوريا، فإن 76–84٪ من القتلى هم مقاتلون، بينما تشكل النساء والأطفال 6–8٪ فقط من الضحايا المؤكدين.
خلاصة الجنوب السوري على مفترق طرق
ما حدث في السويداء لم يكن نزاعًا محليًا فحسب، بل صراع معقّد بين مشروع دولة انتقالية، وقوى محلية تسعى للبقاء، ودور خارجي فاعل عزز الفوضى. وبينما يعود الهدوء بحذر، يبقى الجنوب أمام سؤال مفتوح: هل تتجه السويداء إلى الاستقرار أم إلى مزيد من التصعيد؟